يناير 06، 2018

الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية: في مرمي البصر


استبدال الطبيب بروبوت طبي ذكي موضوع متكرر في الخيال العلمي، ولكن فكرة الاستشارة الطبية الفردية من مساعدين رقميين مثل اليكسا أو سيري -مدعوماً ببيانات المراقبة الذاتية بالهاتف الذكي- لم تعد غير قابلة للتصديق. سيناريو يتم فيه تحليل المعلومات الطبية التي يتم جمعها بمرحلة الرعاية الطبية باستخدام خوارزميات آلية متطورة لتوفير تحليلات قابلة للتنفيذ في نفس الوقت يبدو قريب الحدوث. إنشاء تنبؤات معتمدة على بيانات يعزز بقوة من الطب المخصص للفرد والصحة العامة الدقيقة. لم تتغير الممارسة الطبية حتى الآن إلى حد كبير بسبب الثورة الرقمية -والتي أربكت الكثير من الصناعات الأخرى- ولكن ربما سيُحدث الذكاء الاصطناعي التحسينات الموعودة من فترة طويلة في الرعاية الطبية والبحث العلمي.

كان الهدف الرئيسي لأبحاث الذكاء الاصطناعي منذ بدايتها في الخمسينيات من القرن الماضي هو إنتاج نظام بذكاء عام قادر على اجتياز ما يسمى اختبار تورنغ Turing test، وهو ما يظهر سلوك ذكي لا يمكن تمييزه عن سلوك الإنسان. على مدى الستين عاماً الماضية، شهد هذا المجال عدة دورات من إثارة وخيبة أمل مع تقدم يبدو ضئيلا، ولكن منذ عام 2010 تم إحراز نجاح كبير في التعلم العميق وانتاج أنظمة قادرة على التعلم دون الحاجة إلى أن تكون مُبرمجة بشكل كامل وواضح من خلال بناء تصميم من مدخلات لنماذج. الظهور القوي للتعلم العميق -وهو شكل من أشكال التعلم الآلي والذي يوجد فيه طبقات متعددة من العقد بين طبقات المدخلات والمخرجات تحاكي طبقات الخلايا العصبية في ما يسمى بالشبكة العصبية الاصطناعية- يشكل جزء أساسي في العديد من التطورات الحديثة البارزة في تمييز الكلام، التصنيف القريني للصور، الترجمة النصية، والسيارات ذاتية القيادة.

أنتج التعلم العميق نظم ذكاء اصطناعي قادرة على التفوق علي البشر في مهام محددة، مثل النجاحات البارزة فى العاب الغو games Go وبرنامج مسابقات المحك Jeopardy. النجاح المفاجئ لهذه التقنية -والتي تعتمد على تحليل كمية كبيرة جدا من البيانات- قد تيسر من خلال التقدم في قوة المعالجة الحاسوبية، والتخزين الرقمي الرخيص نسبيا، وكمية البيانات الرقمية الهائلة المتاحة. الصور بشكل خاص قابلة لتقنيات التعلم العميق. في عام 2017، تم تسجيل استخدام ناجح للشبكات العصبية العميقة في تحليل صور لسرطان الجلد بدقة أكبر من طبيب الأمراض الجلدية وتشخيص اعتلال الشبكية السكري من صور شبكية العين. المتطلبات الأساسية لبيانات واسعة النطاق ذات جودة عالية وبنية جيدة قد تحد في نهاية المطاف من المجالات التي يمكن فيها للذكاء الاصطناعي أن يعود بفائدة للرعاية الصحية. وعلى الرغم من أن بعض مقدمي الخدمات الطبية انتقلوا إلى استخدام سجلات صحية إلكترونية، إلا أن المعلومات الواردة غالبا ما يتم إنتاجها لأغراض أخرى غير البحث العلمي، مثل السداد أو مراجعة الحسابات، وبالتالي يمكن أن تكون مربكة أو غير دقيقة أو تفتقر إلى الحل السريري لإعطاء رؤى ذات مغزى. لا تزال كميات كبيرة من البيانات الصحية الكبيرة تُسجل كنص، فبالتالي استخراج المعلومات الهامة سريريا باستخدام أساليب معالجة اللغة الطبيعية تعتبر مهمة صعبة.

على الرغم من الإثارة حول هذه التقنيات المتطورة للذكاء الاصطناعي، إلا ان عدد قليل جدا منهم مفيد في المجال السريري. التحدي الكبير المقبل هو ترجمة النجاح التقني إلى تأثير ذا مغزى سريرياً. وتتطلب هذه الخطوة وضع إطار لتقييم ومقارنة أداء تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وهو أمر صعب بوجه خاص بسبب طبقات التجريد داخل نظم التعلم العميق مما يجعلها صندوق أسود. شهد عام 2017 انتكاسات ملحوظة لشركتين من أكبر الشركات التجارية العاملة في هذا المجال، حيث توقف مشروع واتسون لشركة آي بي إم IBM Watson مع مركز إم دي أندرسون لأمراض السرطان MD Anderson Cancer Centre بعد 4 سنوات من التطوير، وكذلك شراكة غوغل ديب ميند Google DeepMind مع أمانة مؤسسة لندن الحرة الغير ملكية للخدمات الصحية الوطنية Royal Free London NHS Foundation Trust أصبحت تحت النار بسبب مشاركة غير مناسبة لبيانات سرية لمرضي. توضح هذه الأحداث التحديات الحقيقية للإطار الأخلاقي والقانوني لتبادل البيانات وقابلية التشغيل البيني للنظم وملكية البرامج المنتجة من هذه الشراكات والإطار القانوني للمسؤولية السريرية عند حدوث أخطاء باستخدام هذه الأنظمة.

شهدت 2017 تقدماً ملحوظاً للذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية. النجاحات الواضحة للتعلم العميق في صناعات أخرى اثار اهتمام المجال السريري. الشراكات الناتجة بين الأطباء وعلماء البيانات -بدعم من قوة المعلومات السريرية المتزايدة- بدأت تسفر عن نتائج إيجابية. مع هذا التغيير، أصبحت المهارات المطلوبة لفهم المعلوماتية من مجموعات بيانات كبيرة، والأفكار التي يمكن استخلاصها منها، دعامة أساسية للممارسة السريرية، جنبا إلى جنب مع الطب القائم على الأدلة. ليس هناك شك في أن الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لا يزال مبالغ به وفي خطر الاستغلال التجاري، ولكن خلال الفوضى، الأبحاث التعاونية النوعية آخذة في الظهور. يتطلب الذكاء الاصطناعي تقييم شامل ومنهجي قبل الدخول بشكل كامل في الرعاية السريرية الروتينية، ولكن كغيره من التقنيات المربكة في الماضي، لا ينبغي التقليل من تأثيره المحتمل.


شارك الموضوع مع زملائك