مارس 26، 2015

حقائق وشبهات حول التعريب



تنص دساتير الدول العربية على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، ومعنى ذلك أن لغة التدريس – في جميع مراحل التعليم – يجب أن تكون العربية.
وبخصوص ما يُثار من تشكيك حول مدى قدرة اللغة العربية على أن تكون وسيلةً لتدريس مختلف العلوم، نشير إلى أن علم اللغة الحديث يرى أن جميع اللغات قادرة على مسايرة التقدم الحضاري، لا فرق بين لغة وأخرى، وإنما الفرق في الوسائل المستخدمة لتحقيق ذلك. وعليه، فإن العيب ليس في اللغة، وإنما العيب في الناطقين باللغة عندما يعجزون أو يتقاعسون عن تنميتها وتطويرها.

تمثل اللغة أهــم مقومات شخصية الأمة، فهي من سماتها المميزة، وهي سجل مفاخرها، وصوت أمجادها الماضية، وصورة حاضرها بصراعاته وقضاياه وأحداثه، وهي نافذة إلى مستقبلها بآماله وطموحاته، هي فكر الأمة ووجدانها، ومرآة لمناشط الحياة في ربوعها، ولذلك فإن اللغة تعبر عن واقع الأمة، تطورا أو تخلفا، قوة أوضعفا، انتشارا أوانحسارا، صعودا أوهبوطا، ظهورا أوضمورا.

لما كانت غاية الإسلام توجيه العالم إلى سبيل الارتقاء، فقد انطلق أبناؤه إلى كل تراث يمكن أن يكون إحدى دعائم التطور المعرفي لخدمة المجتمعات في ظل الإسلام،
وقد تبنى الخلفاء المسلمون هذا التوجه باستدعاء العارفين باللغات القديمة، القادرين على نقل كنوز المعرفة من اليونانية والرومانية والهندية والفارسية إلى اللغة العربية، لم يفرقوا بين جنس أو دين، ولكنهم تعقبوا رجال الفكر والعلم باللغات التي ضمت خزائنها شيئا من التراث الإنساني، وقد بنى المأمون دار الحكمة فكانت مجمعا علميا، ومرصدا فلكيا، ومكتبة عامة، يأوي إليها كل طالب للمعرفة، وقسمت إلى مجالس للمترجمين بحسب لغاتهم، وتوافرت لهم مطالب الكتابة وأجريت عليهم الأرزاق، كما كانت منتدى للعلماء في مختلف العلوم والفنون، في الطب والفلك والجغرافيا والحساب والكيمياء، بالإضافة إلى الفلسفة وعلوم اللغة وعلوم الدين، ولم يكد القرن التاسع الميلادي يشرف على نهايته حتى كان المسلمون قد ترجموا إلى اللغة العربية معظم ما خلفته جهود العلماء والحضارات القديمة.

وانتشرت الترجمة في جميع الأمصار الإسلامية ليس على مستوى الأمراء والحكام فحسب، بل على مستوى الأثرياء من الأفراد كذلك.
لم يكن المسلمون نَقَلة كما يزعم المتعصبون من الفرنج، وإنما كانوا في بحثهم عن المعرفة، وسعيهم وراء التراث الحضاري ذوي نظرات متأملة، وأفكار متعمقة، لم يتركوا شيئا من ذلك الــتراث إلا تناولوه بالنظر والتحليل والتقويم، فخلصوا العلوم من الأوهام والخرافـات، ونقوها من الأهواء، ووضعوها في منظومة علمية كبرى بلغت ثلاثمائة علم، كما أحصاها (طاشكيري زادة) في كتابه (مفتاح السعادة).

لقد كانت الثقافة الإسلامية نتيجة العقيدة الإسلامية، فإن هي اتجهت إلى الاستعانة بالعلوم اليونانية أو الثقافة الفارسية أو الهندية فلأن الدين حملها على ذلك، وطلب منها أن تطلب العلم حيث كان، ومن أي كائن كان، لقد بذر الإسلام في نفوسهم بذوراً تأصلت فيهم، فكانوا إذا اقتبسوا من أي ثقافة لم يكونـوا مقلديـن فقط، بل كانوا دائما يعملون العقل فيما نقلوا، ويحكمون العقيدة فيما قرءوا، فإذا نظرنا إلى كتب الفارابي وابن سينا وابن رشد، رأيناهم ينقدون ويزيدون، ويمدون كل شيء أخذوه بروح من عندهم، فكان لثقافتهم طابع خاص، وسمة تعرف بها.

لقد أصبح العقل العربي في العصر العباسي عقلاً متفلسفا، كما أصبح عقلا علمياً، لامن حيث فهمه وفقهه بعلوم الأوائل، بل أيضا من حيث إسهامه فيها وإضافاته الجديدة، حتى ليضيف علوما لأول مرة في تاريخ الحضارة الإنسانية، على نحو ما أضاف الخوارزمي في علم الجبر، وكان هذا العقل قد أظهر نضجه العلمي، وإحكامه لوضع العلوم منذ القرن الثاني الهجري.

مرت الحضارة العربية الإسلامية بمراحل ثلاث قبل أن تنضج وتبدع وتسهم في بناء حضارة الإنسان أولها مرحلة الترجمة والاقتباس والتمثل التي دامت طوال العصر العباسي الأول وتلتها مرحلة الإبداع والخلق  أما المرحلة الثالثة فكانت حقبة العالمية حين أخذ الغرب ينقل إلى لغاته العلوم التي حصلها العرب والتي أبدعوها.

لقد انتشرت الكتب التي ترجمت بين الناس فتداولوها ونسخوها وقرءوها وأنشأت الدولة دورا للكتب في كل مكان. ففي عام 891م أحصى مسافر عدد دور الكتب في بغداد فكانت أكثر من مائة  . وكان في سوق الكتب عند بوابة البصرة ببغداد أكثر من مائة متجر لبيع الكتب.

إن الكتب التي نقلتها أوربا إلى لغاتها كانت تمتاز بالوضوح والترتيب والتسلسل لذلك فقد ظل بعضها كتبا مدرسية بين أيدي الطلاب قرونا عديدة كالقسم الخاص بالجراحة من كتاب التصريف لأبي القاسم الزهراوي الذي طبع في البندقية عام 1497 وفي بال عام 1541 وفي أكسفورد عام 1778 وبقي كتابا مدرسيا للجراحة قرونا عديدة في مدرستي سالرنو ومونبيليه كما ظل كتاب القانون لابن سينا سبعة قرون بين أيدي الطلاب الغربيين.

لعلنا ندرك قيمة تعريب الطب، إذا عرفنا أن كثيرا من الدول الأوربية مثل السويد، والنرويج، وفنلندا، وألمانيا، والنمسا تدرس الطب بلغاتها وعلى مستوى عال من الأداء في الوقت الذي نجد فيه أن البلاد العربية وعدد سكانها نحو ربع بليون نسمة وفيها أكثر من 90 كلية طب، كلها تدرس الطب بلغات أجنبية هي الإنجليزية والفرنسية والإيطالية ما عدا خمس كليات.

في دراسة تم إجرائها في كلية الطب بجامعة الملك فيصل ، كان من نتائجها أن نسبة المصطلحات الطبية في كتب الطب لا تزيد عن 3.3% من مجموع الكلمات وأن الطالب الذي يدرس باللغة العربية تزداد سرعته 43% وتتحسن قدرته على الاستيعاب 15% عما لو قرأ باللغة الإنجليزية.
وفي دراسة نشرتها منظمة الصحة العالمية عام 1988م عن 1259 كلية طب في 128 دولة يتضح لنا طابع عام ملفت للنظر. فالدول المستقلة سياسيا مثل الأمريكتين الشمالية والجنوبية وأوربا واستراليا جميعها تدرس الطب بلغاتها في حين أن الدول التي خاضت تجربة الاستعمار وتقع أكثرها في قارتي آسيا وأفريقيا يدرس الطب فيها بلغة المستعمر، وأقرب مثل لذلك نجده في عالمنا العربي فالطب في المغرب العربي يدرس باللغة الفرنسية، وفي مصر والعراق والسودان بالإنجليزية، وفي الصومال بالإيطالية، وكلها لغات المستعمر الذي ساد البلاد لفترة من الزمن.

الواقع أن تدريس الطب في البلاد العربية بلغات أجنبية هو هزيمة نفسية أولا وقبل كل شئ خاصة إذا علمنا أن الطالب عند تخرجه لا يملك في الغالب أن يكتب صفحة واحدة باللغة الإنجليزية دون أن يرتكب العديد من الأخطاء. كما نجده يتجنب الحوار والمناقشة لضعف لغته. ذلك لأنه يدرس بلغة إنجليزية ضعيفة، هي هجين من اللغتين العربية والإنجليزية. ولبطء قراءته نجده يعتمد على الملخصات وقليلا ما يعود إلى المراجع.
من أهم أهداف التعريب (أو تدريس العلوم والتقانة باللغة القومية) أنه أساس التوازن بين أساسيات المعرفة واللغة التي تتشكل في رحمها المعرفة، وذلك في عقل الفرد وبالتالي في العقل الجمعي عندما يتكامل النسيج الاجتماعي حول لغة علمية واحدة مما يجعل العلوم والتقنيات بمفاهيمها وثقافتها أوسع انتشاراً وأكثر تأثيراً. وهذا الأمر يؤدي إلى تحقيق الديمقراطية الحقيقية في التعليم مما يُوسّع دائرة المشاركة في فهم وتطوير العلوم والتقانة ويؤذن بانخراط أكبر عدد من المواطنين في البحث والإنتاج العلمي الذي سيجد المزيد من القارئين والمطوِّرين عندما يُكتب باللغة القومية، ثم إِنَّ التعريب يخرِّج الجامعات من عزلتها ومن وظيفتها المتقزّمة كصانعة شهادات فقط، إلى وظيفتها الكبرى التي صنعت النهضات في حضارات أخرى كالحضارة الغربية واليابانية، فجامعاتنا بالتعريب يمكنها أن تتحوّل إلى مراكز إِشعاعٍ علميٍّ وحضاريٍّ تُعلي من شأن الثقافة العلمية الضرورية المصاحبة للبحث العلمي والتعليم الأكاديميّ المعرّب، من أجل النهوض بالمجتمع كلِّه عقلاً وإنجازاً.

أهم فوائد التعريب في التعليم العالي:
أولاً: يصبح التدَّريس أكثر حيوية وسلاسة بتعميق التواصل بين المدرس والطالب بلغتهما المشتركة، وهذا تؤكده التجربة العيانية، فحتى المعلومون الذين درسوا في الغرب لا يتقنون اللغة الإنجليزية كما يتقنون لغتهم الأم، فكيف بالطلاب؟!.
ثانياً: يتسع ويتعمّق استيعاب الطلبة لما يتلقَّون من علمٍ ومعرفةٍ بسبب زوال حاجز اللغة الذي يستهلك أغلب جهد الطالب الذهني أثناء تلقيه للعلم بغير لغته.
ثالثاً: يتمكّن المدرِّس من تغطية المنهاج الدراسي كلِّه، بسبب تجاوب الطلبة وقدرتهم العليا في المتابعة الصفية وفي إنجاز الوظائف البيتية بيسرٍ.
رابعاً : وبالتجربة والإحصاء وبالمنطق، واعتماداً على البنود السابقة، فإن نسبة نجاح الطلبة حتى في أصعب المواد، تزداد عندما يتلقون العلم بلغتهم القوميَّة.
• كيف لي أن أسافر للعمل في الخارج لو تمّت ترجمة العلوم؟
أولا تعريب العلوم لا يعفيك من تعلم لغة أجنبية واحدة على الأقل لمواكبة آخر التطورات والأبحاث العلمية، ومن المعروف أنه يتم تدريس الطب باللغة العربية في سوريا ومع ذلك لم يكن هذا عائقاً أمام الأطباء السوريين يمنعهم من السفر للعمل بالدول الأجنبية ، قد يظن البعض أن تعليم الطب باللغة العربية في سوريا أدى إلى تدني مستواه ولكي نحقق في الأمر، بحثنا عن نتائج الأطباء السوريين في امتحان ECFMG (امتحان المجلس التعليمي للأطباء الأجانب) وهو امتحان تعقده الولايات المتحدة الأمريكية عدة مرات كل عام، ويتقدم إليه في كل مرة نحو عشرة آلاف طبيب من مختلف أنحاء العالم، ومن يجتازه يحق له العمل أو الدراسة الطبية العليا في الولايات المتحدة الأمريكية.
الجدول التالي يوضح لنا أن مستوى الأطباء السوريين لا يقل في امتحان ECFMG عن مستوى زملائهم الأطباء من مختلف أنحاء العالم. وننبه القارئ إلى أن امتحان ECFMG يعقد باللغة الإنجليزية، أي أن تعلم الطب باللغة العربية لم يكن عائقا أمام الأطباء السوريين يحول دون أدائهم للامتحان واجتيازهم له بنجاح.

تاريخ الامتحان
إجمالي المتقدمين
معدل العلامات
عدد الأطباء السوريين
معدل علامات الأطباء السوريين
يوليو 1979
يناير 1980
يوليو 1980
8930
9769
10879
71.8
71.1
72.0
39
35
36
73.7
71.4
72.6

• كيف لنا أن نواكب الحضارة والتطور؟
نحن ندرس العلوم في جامعاتنا من مئات السنين بلغات أجنبية ومع ذلك لم نتقدم خطوة واحدة للأمام، بل على العكس نحن نتأخر كل يوم أكثر من الذي يسبقه،
ترجمة العلوم لم تكن عائقا أبداً أمام أي حضارة، بل على العكس، كل الحضارات العظيمة المعروفة بدأت بترجمة ما توصلت إليه الحضارات التي سبقتها، هذا ما حدث في بداية الحضارة العربية الإسلامية حيث تم ترجمة كل علوم اليونان والهند وغيرها إلى العربية ثم تلى ذلك الإنجازات العلمية التي مازالت تؤثر في كل مجالات العلوم حتى يومنا هذا، وهذا أيضا ما حدث في بداية عصر النهضة الأوربية حيث تم ترجمة كل إنجازات الحضارة العربية الإسلامية إلى اللغة اللاتينية تلى ذلك الحضارة الأوربية المعروفة لنا الآن، فالترجمة هي العامل الأساسي لبداية أي حضارة علمية.

• وهل العربية قادرة على استيعاب المصطلحات الأجنبية؟
عند مقارنة عدد كلمات اللغة العربية باللغة الإنجليزية نجد أن عدد مفردات اللغة العربية مقارنة باللغة الإنجليزية يبلغ 25 ضعف، اللغة العربية دائما وأبدا كانت لغة لينة قادرة على استيعاب كل أنواع العلوم والمصطلحات.
كما أن نسبة المصطلحات الطبية في المراجع في المتوسط حوالي 3.5% فقط من إجمالي الكلمات، وباقي الكلمات هي كلمات عادية مثل ذهب وجاء ويشعر بالمرض واستيقظ ونام وهكذا.
والقاصر هو صاحب اللغة وليس اللغة... فاللغة تقوى بقوة أصحابها وتضعف بضعفهم.
• بدلاً من تضييع الوقت في تعريب العلوم، لماذا لا نسعى إلى تطويرها؟
الرد هنا بكل بساطة، لماذا لم يقل الأوربيون ذلك في بداية عصر النهضة عندما قاموا بترجمة كل المؤلفات العربية إلى اللاتينية، ولماذا لم يقل العرب ذلك في بداية الحضارة العربية في الدولة العباسية عندما ترجموا كل مؤلفات الحضارة اليونانية وغيرها من الحضارات القديمة إلى اللغة العربية... لأنها سلسلة متصلة أولا الترجمة فيكون الفهم ثم الإبداع والإضافة والتطوير.

الدعوة الآن إلى تعريب العلوم حتى يستطيع الطالب العربي استيعابها جيداً كي يستطيع الإبداع والابتكار في مجاله العلمي. فطالب كلية الطب الذي يدرس علومه باللغة الفرنسية مثلاً عليه أن يقتحم الحاجز اللغوي حتى يتسنى له فهم المراد، فيكتفي بفهم القاعدة حتى يطبقها وبذلك يبتعد عن أي محاولة للإبداع ........ عندما يدرس الطالب باللغة العربية تزداد سرعته 43% وتتحسن قدرته على الاستيعاب 15% عما لو قرأ باللغة الإنجليزية، أي أنه يستطيع إنجاز عمل دراسي أكثر في وقت أقل.
• كيف سيتسنى للطالب العربي المشاركة فى المؤتمرات العلمية الدولية؟
نقول أن تعريب العلوم لا يغني أبدا عن تعلم لغة أجنبية واحدة على الأقل لمتابعة آخر تطورات العلم وآخر الأبحاث العلمية، وأيضاً كيف يشارك الطالب الفرنسي في المؤتمرات العلمية الدولية وهو يدرس بالفرنسية وكذلك الطالب الإيطالي والألماني وحتى الإسرائيلي، كلهم يدرسون بلغاتهم الأم ومع ذلك لم يشكل ذلك أي عائق أمامهم.


.......... 
المراجع:
- مسيرة الحضارة العربية الإسلامية من الاقتباس إلى الأصالة والإبداع والعالمية، د. أحمد إياد الشطي، د. برهان العابد
- التعليم باللغة الوطنية دليل سيادة الأمة، شاكر عبد الرحيم 
- تعريب الطب، د. خيري أحمد سمره، أستاذ جراحة المخ والأعصاب، عميد كلية طب قصر العيني سابقا
- دفاع عن تعليم الطب باللغة العربية، د. ماجد عثمان، د. زهير أحمد السباعي 
- تعريب العلوم .. شبهات وردود، هلال فتال
- تعريب العلوم الطبية في الوطن العربي
- اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين، في المؤسسات التعليمية في الأردن الواقع والتحديات واستشراف المستقبل، د. سليمان الطراونة، كلية الهندسة جامعة مؤتة


شارك الموضوع مع زملائك