أغسطس 29، 2014

تـعـريـب الـطـب ... أ.د. خيري أحمد سمره


تـعـريـب الـطـب
من مؤتمر تعريب التعليم الطبي، الكويت، إبريل 1996

الأستاذ الدكتور/ خيري أحمد سمره 
أستاذ جراحة المخ والأعصاب 
عميد كلية طب قصر العيني - سابقا 


ما الفرق بين اليوم والبارحة

بالأمس البعيد كنت من أشد المعارضين لفكرة تعريب الطب- واليوم أصبحت من أشد المتحمسين لها.

أذكر في أوائل الستينات عندما قامت الوحدة بين مصر وسوريا أن صدر قرار سياسي سيادي بتعريب دراسة الطب وقد أثار صدور هذا القرار دهشة الجميع واعتقدنا أنه بداية النهاية وأن تنفيذ هذا القرار سيؤدي إلى تدهور العملية التعليمية الطبية في مصر والحق يقال أن قلة قليلة هي التي استجابت لهذا القرار أذكر منهم بكل خير أستاذنا الدكتور/ أحمد البطراوي الذي بدأ في تعريب التشريح وأستاذنا الدكتور/ محمد سليمان في تعريب علم الطب الشرعي- إلا أن الظروف قد تغيرت بانفصال الإقليم السوري الشمالي عن الإقليم الجنوبي المصري فماتت الفكرة قبل أن تولد.

وفي الواقع كان لتخوفنا من قرار تعريب الطب أسباب عديدة أهمها: -

أولاً
أستاذ المادة الذي درس الطب بالإنجليزية وحصل على دراساته العليا بالإنجليزية ودرس علمه بالإنجليزية لعشرات السنين- هل في استطاعته بين ليلة وضحاها أن يدرس مادته باللغة العربية وهو فقير فيها أصلا؟ ففاقد الشيء لا يعطيه.

ثانياً
كيف نتابع التطور العلمي المذهل ؟ والمجلات العلمية والمراجع الطبية معظمها باللغة الإنجليزية !!؟

ثالثاً
كيف نشارك في المؤتمرات العلمية الدولية ونحن لا نجيد لغة المتحدثين بها؟

رابعاً
هناك بعض المصطلحات العلمية التي ترجمت باللغة العربية فجاءت بألفاظ فظة من الصعب استيعابها مثل البنكرياس " المعثكلة "- والهيموجلوبين "اليحمور"...الخ.

وتطورت الأحداث- وربما زاد نضجنا فأعدنا الدراسة واكتشفنا أن ما كان ينظر إليه بالأمس على أنه المستحيل أصبح اليوم سهلا ميسورا فأعدنا التفكير بهدوء

بعد أن طرح على الساحة موضوع تدريس الطب باللغة العربية مرة أخرى وتبين لنا الحقائق التالية:-

أولاً
إن معظم دول العالم تدرس الطب بلغتها فالإنجليزي يدرس الطب بالإنجليزية والفرنسي بالفرنسية والألماني بالألمانية والأسباني بالأسبانية والصيني بالصينية والياباني باليابانية...الخ.

حتى اللغات المنسية والشبه المنقرضة مثل العبرية تستخدمها إسرائيل في تعليم طلابها بها فهل نحن أقل شأنا من كل هؤلاء ؟؟ كلا... بل يجب علينا أن نفخر بلغتنا الأم وهي لغة يعلم الجميع مدى ثرائها في التعريف والتعبير، والتاريخ شاهد على ذلك- هل نسينا أن علماء العرب القدامى قدموا للطب الحديث كثيرا من المراجع العلمية القيمة باللغة العربية؟ وأن النهضة الأوربية الحديثة جاءت بعد النهضة العربية.

في الواقع لم يبق في العالم سوى عدد قليل من الدول لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة لا تزال تدرس الطب بلغة المستعمر بدلا من اللغة الأم.

ثانياً
بعد التطور المذهل في طرق الاتصالات والترجمة والطبع أصبحت مشكلة المراجع العلمية يسيرة وهينة فكلنا نعلم أن هناك كثيرا من المجلات العلمية الدورية تظهر بأكثر من لغة فالمقالة التي تنشر اليوم بلغة ما ممكن أن تترجم فورا إلى اللغة العربية لتكون بين يدي الأطباء العرب في اليوم التالي وهنا يأتي دور جامعة الدول العربية فعليها أن تتبنى فكرة الاتفاق مع دور النشر العالمية لإضافة اللغة العربية إلى اللغات التي يترجم إليها كل جديد في العلم.

ثالثاً
إن العالم العربي غني برجاله وكل قطر شقيق يضم مجموعة كبيرة من العلماء القادرين على تأليف الكتب والمراجع العلمية باللغة العربية وسوريا الشقيقة رائدة في هذا المجال وعندنا في مصر أذكر بكل فخر الأخ الصديق محمد الرخاوي وبصمته على تعريب علم التشريح واضحة للعيان.

وأقترح أن يجتمع رؤساء الأقسام المعنيين في كليات الطب المختلفة لتأليف الكتب الخاصة بمادتهم العلمية باللغة العربية ويا حبذا لو تم تبادل هذه المراجع بين كليات الطب العربية المختلفة.

رابعاً
ليس معنى أن يدرس الطب باللغة العربية أن نهمل معرفة لغة أجنبية لذا يتحتم تدريس اللغة الإنجليزية في جميع سنوات الدراسة الطبية وان يوضع مقرر مكثف لذلك يقوم بتدريسه أساتذة متخصصون من كليات الآداب أو الألسن مثلا فيصبح خريج الطب الدارس باللغة العربية متمكنا تماما من اللغة الإنجليزية وبالتالي يمكن له حضور الندوات والمؤتمرات العالمية.

خامساً
أعلم تماما أن هناك لجانا فنية متخصصة تقوم بترجمة المصطلحات الأجنبية إلى اللغة العربية وأعلم أن النية متجهة لتبسيط الأمور واستخدام نفس الألفاظ العلمية الأجنبية الدارجة في عملية تعريب الطب فمثلا البنكرياس يبقي البنكرياس والهيموجلوبين هو الهيموجلوبين.

وهنا أجد لزاما على أن نرد على الزملاء الذين ينتقدوننا في استخدام بعض المرادفات العلمية العربية فأرد عليهم وأقول إن المسألة تعود لا أكثر ولا أقل فهناك في اللغة الأجنبية ألفاظ لا تقل غرابة مثل ( Levator Labii Superioris alaeque nasi)

الأخوة والأخوات
هل نسينا أننا درسنا مبادئ الطب باللغة العربية أثناء دراستنا في المدارس الثانوية وتفهمناها وقبلناها وتفوقنا فيها.

هل نسينا عندما انتقلنا إلى الجامعة وبدأنا دراسة الطب بالإنجليزية استغربنا الموقف وكان علينا أن نترجم المعلومة الإنجليزية إلى العربية أولا لكي نستوعبها.

المشكلة ليست في تعريب الطب بل المشكلة في التعود على تعريب الطب .

هل نحن أقل ذهنا وقدرة من معظم دول العالم التي تدرس الطب بلغتها الأصلية.

لقد كنت بالأمس من أشد المعارضين لتعريب الطب واليوم أنا من أشد المتحمسين خاصة بعد أن زالت الظروف والعوائق التي كانت تواجهنا في الماضي.

لي أمل فرجاء أن يؤخذ هذا الموضوع بهدوء وأن يتم تطبيقه تدريجيا فيجب أن يقتنع الجميع لكي ينجح المشروع إذ إن هناك أصواتا قوية مازالت تعارض بإصرار فكرة تعريب الطب.

أخيرا وليس آخرا فالقرار علمي يجب أن ينبع من القاعدة وليس من القمة.


شارك الموضوع مع زملائك